استحضارُ
العقلِ ومخالفةُ الهوى قبلَ فواتِ الأوانِ
يا ابنَ آدمَ،
استحضرْ عقلَك قبلَ أن تندمَ، فالعاقلُ من وقفَ مع نفسِه وقفةَ
صدقٍ، فتأملَ قِصرَ الدنيا وسرعةَ انقضائِها، وعرفَ أن كلَّ لذةٍ زائلةٌ، وأن ما
يبقى للعبدِ هو ما قدّمَه من عملٍ صالحٍ. فاستحضرْ عقلَك، وأعملْ فكرَك، واسألْ
نفسَك: ماذا أعددتَ للقاءِ اللهِ؟
استحضرْ عقلَك، وأعملْ فكرَك، واخلُ بنفسِك ساعةً تصدقُ فيها مع ربِّك ومع نفسِك.
فإنما مُيّزَ الإنسانُ بالعقلِ ليعملَ بمقتضاهُ، وليبصرَ حقيقةَ
الطريقِ الذي يسيرُ فيهِ، لا ليكونَ أسيرًا لشهوةٍ عابرةٍ أو هوى يقودُه حيثُ
شاءَ.
وتذكّرْ أنك مخلوقٌ مكلّفٌ، وأن عليك فرائضَ أنت مسؤولٌ عنها، وأن
ما تلفظُ به محسوبٌ، وما تنظرُ إليه مكتوبٌ، وأن أنفاسَك معدودةٌ، وكلُّ نفسٍ
يمرُّ بك يقربُك من أجلِك.
فلا تغترّْ بطولِ الأملِ؛ فإن مقامَك في الدنيا قصيرٌ، ورحيلَك
عنها أقربُ مما تظنُّ. تأملْ في لذةِ الأمسِ: أين ذهبتْ؟
مضتْ، ولم تُبقِ لك إلا أثرَها في الذاكرةِ، وربما أبقتْ وراءَها
حسرةً وندمًا.
وتأملْ شهواتِ النفسِ التي أقبلتَ عليها: كم من شهوةٍ أضحكتْ ساعةً
وأبكتْ عمرًا؟
وكم من هوى زيّنَ لصاحبِه خطوةً، ثم قادَه إلى عثرةٍ لم يستطعِ
النهوضَ منها؟
واعلمْ أن السعادةَ الحقيقيةَ ليستْ في أن توافقَ نفسَك في كل ما
تشتهي، وإنما في أن تملكَ نفسَك حين تدعوكَ إلى ما لا يرضي اللهَ. فما سَعِدَ من
سَعِدَ إلا بخلافِ هواهُ، وما شقيَ من شقيَ إلا حين آثرَ عاجلَ دنياهُ على ما عندَ
اللهِ.
وانظرْ إلى من سبقَك: ملوكٌ ملكوا، ثم رحلوا وتركوا ملكَهم،
وزهّادٌ تعبوا في طاعةِ ربِّهم، فمضى تعبُهم وبقيَ أجرُهم. ذهبَ الجميعُ، وبقيتْ
آثارُهم؛ فهذا يُذكرُ بالثناءِ الجميلِ، وذاك يُذكرُ بسوءِ العاقبةِ. وكأن الذي
جاعَ قد فارقَه جوعُه، والذي شبعَ قد فارقَه شبعُه؛ لم يبقَ من ذلك كلِّه إلا ما
قدّمَه الإنسانُ لنفسِه.
فيا ابنَ آدمَ، لا تجعلْ أيامَك تمضي في طلبِ ما يفنى، وتنسى ما
يبقى. حاسبْ نفسَك قبلَ أن تُحاسبَ، وزنْ أعمالَك قبلَ أن تُوزنَ عليكَ، وخالفْ
هواك إذا دعاكَ إلى ما يسخطُ ربَّك، فإن العمرَ أقصرُ من أن تُبددَه في الغفلةِ،
والقبرَ أضيقُ من أن تدخُلَه بذنوبٍ لم تتبْ منها.
واذكرْ دائمًا: أنك اليومَ تملكُ فرصةَ العملِ، وغدًا قد لا تملكُ
إلا الحسابَ؛ فاخترْ لنفسِك من الآن ما تحبُّ أن تلقى اللهَ بهِ.
مستفادٌ من وصايا ابن الجوزي رحمه الله في كتابه لَفْتَةُ الكَبِدِ
إلى نَصيحَةِ الوَلَدِ.
وكتبه
يوسف طه السعيد
غفر الله له ولوالديه
إرسال تعليق